محمد الغزالي
107
فقه السيرة ( الغزالي )
أبو طالب إن أبا طالب - برغم بقائه على الشرك ، واستمساكه بدين الاباء - ظلّ حيّ العاطفة ، ظاهر الحدب على ابن أخيه ؛ وهو مدرك كل الإدراك ما سوف تجره هذه الدعوة من متاعب عليه وعلى أسرته ، بيد أن إعزازه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وتأذّيه من مواجهته بما يكره ، حملاه على ضمان الحرية له ، بل على التعهّد بحمايته وهو يبلّغ عن ربه ! ! . وأبو طالب من رجالات مكة المعدودين ، كان معظّما في أهله ، معظّما بين الناس ، فما يجسر أحد على إخفار ذمته ، واستباحة بيضته ، وكان بقاؤه مع أهل مكة - محترما للأوثان - من أسباب امتداد نفوذه ورعاية حقوقه . . . أمّا أبو لهب فصورة لأرباب الأسر المتهالكين على مصالحهم وسمعتهم من غير نظر إلى حق أو باطل ، فأيّ عمل يعرّض مصالحه للبوار ، أو يخدش ما لاسمه من منزلة يهيج ثائرته ، ويدفعه لاقتراف الحماقات . . . وفي طبيعة أبي لهب قسوة تغريه باقتراف الدنايا ، كان أبناؤه متزوّجين ببنات محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فأمرهم بفراقهنّ ، فطلق عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم . . ولعلّ أبا لهب كان متأثّرا في هذه البغضاء المتنزّية بزوجته أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان ، وهي امرأة سليطة ، تؤزها على كراهية محمد صلى اللّه عليه وسلم ودينه علل شتى ، ولذلك بسطت فيه لسانها ، وأطالت عليه الافتراء والدسّ . وإذا كانت أهواء الجاهلية تدفع عمّ محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الإغلاظ معه على هذا النحو الوضيع ؛ فكيف يكون مسلك الأباعد الذين يتمنّون العثار للسليم والتهمة للبريء ؟ ! . ولكن ما أبو لهب ؟ وما قريش ؟ وما العرب ؟ وما الدنيا كلها ؟ بإزاء رجل يحمل رسالة من اللّه الذي له ملك السماوات والأرض ، يريد أن يعيد بها الرّشد